كم يستغرق المرء من الوقت ليتأكد أنه أخطأ العنوان

 ليست كل العناوين تقودنا إلى المكان الصحيح، ولا كل سنوات البقاء تعني أننا وصلنا. أحيانًا نحتاج إلى عمرٍ كامل لنكتشف أن ما أنهكنا لم يكن الطريق... بل الوجهة نفسها. هذا النص رحلة هادئة داخل لحظة الإدراك؛ تلك اللحظة التي يتصالح فيها الإنسان مع نفسه، ويختار الرحيل حين يصبح البقاء خسارةً لروحه.


كم يستغرق المرء من الوقت ليتأكد أنه أخطأ العنوان؟


سنواتٌ وأنا أؤثث هذا المكان من روحي، أقتطع من شغفي لأمنحه دفئًا، وأغض الطرف عن الزوايا المعتمة التي كانت تبتلع الضوء من عينيّ. كنت أظن أن الاحتمال فضيلة، وأن الصبر سيُثمر يومًا تقديرًا، أو على الأقل ألفةً تُشبه السلام.


لكنني اليوم، ولأول مرة، أنظر إلى جدران هذا الحيز فلا أرى نفسي. أرى كائنًا يشبهني، لكنه باهت الملامح، خافت الصوت، بلا طموح، كأن الحياة مرّت به واكتفت بأخذ ما لديها.


هذا المكان لا يظلمني بالقسوة، بل يظلمني بالتهميش. يمحو وجودي ببطء، ويحولني إلى تفصيلٍ عابر في حكاية تخص الآخرين. تحولتُ هنا من شمسٍ تمنح الدفء، إلى شمعةٍ تحترق في ممرٍ مهجور، لا يمر به أحد.


حتى جسدي بدأ يرفض العتبات، وأنفاسي تضيق كلما أغلقت الباب خلفي. أدركت أخيرًا أنهم لا يرون قيمتي، وربما لن يروها أبدًا؛ لأنهم اعتادوا وجودي حتى صار، في نظرهم، أمرًا بديهيًا، كالأرض التي تمنح الجميع ولا تطلب شيئًا.


كفى.


لن أنتظر مشهدًا أخيرًا، ولن أستنزف ما تبقى من روحي في عتابٍ عقيم. فبعض الأماكن لا تُصلحها الكلمات، وبعض الأبواب لا ينبغي أن نطرقها مرةً أخرى.


المغادرة الآن ليست هروبًا، بل آخر ما يمكن أن أقدمه لقلبي من رحمة.


سأحمل حقيبة روحي المثقوبة، وأمضي... فالمكان الذي يطفئ توهجك، لا يستحق حتى التفاتة وداع.


🖋AzzaElbadry 

Comments

Popular posts from this blog

السقوط الهادئ: لماذا لا ينتهي الإنسان فجأة؟

لماذا تبدو قوة أبطال الأنمي غير واقعية… لكنها تنجح؟

: حين نكتشف أننا كنا نقسو على الشخص الخطأ